TAP 01/05/2026

TAP - جني الزيتون .. حين يكون العمر مجرّد رقم في حياة العاملات المسنّات

منوبة، 04 جانفي (وات/مكتب منوبة - نعيمة عويشاوي) - همّت العجوز ذات ال75 عاما بالصعود إلى السلّم الخشبي المخصّص لجني الزيتون، وضعت قدمها الأولى على الدرج السفلي، شدّت على فخذها بيدها، تحاول أن تُقنع ركبتها بأن تُطيعها كما كانت تفعل منذ سنوات، لكنها خذلتها في إشارة الى انّ الخطوة التالية ستكون أثقل ممّا يحتمله الجسد المنهك وأن الحدّ بلغ مداه.

في مواجهة بين جسد يتقدّم في العمر وروح لا تزال تُصرّ على صعود سلّم، وكأنه يختصر رحلة الحياة بأكملها، تراجعت العجوز "صغيّرة" ببطء، ثم تشبّثت بالأغصان لتواصل جني الزيتون بأصابع تآكلتها الندوب منذ سنوات طوال في مختلف الاعمال الفلاحية الشاقة التي لا تحبّذ فيها استعمال امشاط يدوية، ودون قفازات تحميها من جروح الاغصان.

هي واحدة من العاملات الفلاحيات المتقدمات في السن، من لم يمنعهنّ التقدم في السن ولا اوجاع الرُكَب والمفاصل ولا انحناءات الظهر، من مواصلة العمل وتدبير لقمة العيش بخطوات ثابتة وعزيمة لا تعرف الكلل، تجبرهنّ ظروف الحياة وقلّة ذات اليد على الاستمرار بلا تذمّر أو شكوى صامدات، صامتات، وصابرات على قدرهنّ.

تقول "صغيّرة" لصحفية وكالة تونس افريقيا للانباء، انها نسيت السنوات التي عملت فيها والاشغال الفلاحية التي قامت بها والتى يصعب حصرها، فمنذ سنوات شبابها ألفت أصابعها تراب الأرض حرثا وحفرا وزرعا وحصادا وجنيا، فلم تتوقف الا متى توقف العمل بالضيعات، ولم يمنعها طقس ولا مرض ولا أي سبب يذكر على مواصلة العمل.

تشير "صغيّرة " وهي تتحدث مع بقية العاملات وخاصة في عمرها والأكبر منها سنا بالضيعة الفلاحية التي كانت تعمل بها، الى أنّ قدر أغلبهنّ  بات العمل مهما كان شاقّا، واصبحت أعمارهنّ مجرّد أرقام على بطاقة هوياتهنّ، فلا تعنيهنّ عدد السنوات بقدر ما يتحمّلنه من حمل عائلي ثقيل، وما يملكنه من عزيمة وإرادة لتحسين ظروف حياتهنّ وحياة من حولهنّ، وما تحدوهنّ من عزيمة تدفعهنّ للاستمرار.

تتحدث عن مسؤوليتها كعائلة وحيدة لأسرة ابنها السجين وزوجها المسنّ، معتبرة ان توفير حاجياتهم اليومية يدفعها للخروج يوميا للبحث عن فرصة عمل، معتبرة ان مكان المرأة في سنّها في منزلها، حيث يتحوّل تعب السنين إلى دفء وذكريات جميلة، لكن وحدها الظروف الاجتماعية تجعل شقاءها مؤبدا وعبئا لا ينتهي وتدفعها للخروج للعمل بالضيعات.

 تشاطرها الراي مسعودة الذوادي ذات ال 80 عاما، مؤكدة لصحفية "وات"، انّ ثقل المسؤولية يفقد صاحبه الشعور بالألم والتعب والارهاق، اذ تستفيق على الساعة الرابعة صباحا لتقوم بشؤونها المنزلية وتطبخ طعامها ثم تنتظر شاحنة الفلاح لنقلها مع بقية العاملات من الجديدة الى برح العامري لتصل مبكّرا الى الضيعة اين تتناولن فطورهن ثم تشرعن في الجني. 

تجد هذه الشريحة من العاملات، في الاغصان السفلية والجانبية ملاذهنّ للقيام بالجني، بعد ان أصبحن عاجزات عن صعود السلالم الخشبية، فلا يدّخرن جهدا لإقناع أصحاب الضيعات انهن لم يفقدن مهاراتهن ولم يضعف مردودهنّ وأنّ خبرتهنّ الطويلة تجعل منهنّ عاملات متمكّنات مازال يمكن الاعتماد عليهنّ. 

تؤكد المتحدثتان صعوبة العمل في سنّهنّ، ومايرافق معاناتهنّ وبقية النساء العاملات في مثل هذه الأنشطة الفلاحية من مشاكل صحيّة، على غرار آلام الظهر وتآكل الغضاريف وضعف العمود الفقري وأمراض الروماتيزم والتهابات المفاصل وغيرها .

 من جهته، يعتبر صاحب الضيعة ببرج العامري جيلاني عباسي، ان هؤلاء العاملات المسنّات حفرن وزرعن وانتجن معه وأفنين أجمل سنوات أعمارهنّ في الكدّ والتعب معه، واعترافا بالجميل لهنّ وبعيدا عن تقييم الإنتاجية والأداء، يعطيهنّ الأولوية في جني المحصول بنفس اجر البقية، فمن اياديهنّ التي اعتادت العطاء "تنزل البركة" وفق تعبيره، فتحملن لمن حولهنّ خيرا لا ينقطع وتَبُثنَّ بما يحملنه من حكمة وصبر، طاقة إيجابية تنعكس على بقية العاملات والعمال من حولهن.

الا انّ المسنّات ذوات الحاجة الماسّة للعمل، قد لا تجدن فرصتهنّ في مثل هذه الأنشطة التي يختار فيها الفلاحون العمال الأصغر عمرا من شباب وكهول لتوفرعامل القدرة على الإنتاجية وفق تأكيد بعضهن لصحفية "وات"، فتعانين التمييز والإقصاء رغم خبرتهنّ الطويلة، ممّا يزيد من هشاشة وضعيتهنّ الاجتماعية.

تجني المسنّات الزيتون بعناية فائقة، محتفظات بتقاليد الجني المتوارثة والتي تحفظ الشجرة وتضمن ديمومتها وعطاءها المستمر، مستلهمات منها عطاء لا ينضب، ومجسّدات في جنيهنّ قيم الوفاء للتراث والإخلاص للطبيعة التي منحتهنّ وما تزال شعورا بالارتباط العميق بما حولهنّ.

 

ن ع